• Your Shopping Cart is empty
Wecome to Medad Publishing & Distribution
    • Your Shopping Cart is empty

News

بوملحة في رواية (الذُبابة) سردية حس الفكاهة والجنون المتخيل / مجلة تراث / العدد ٢٢٠ / د. رسول محمد رسول

240 Feb 05, 2018

مجلة تراث.. العدد ٢٢٠. فبراير ٢٠١٨..
ص ٨٢ - ٨٥
د. رسول محمَّد رسول
يواصل الروائي عبيد بو ملحه إلى تأصيل مشروعه الروائي في المشهد السّردي الإماراتي؛ فصدرت له رواية (رجل بين ثلاث نساء/ 2014)، وثم رواية (ليلة غابشة/ 2014)، وتالياً رواية (سوق نايف/ 2016)، ونصوص تحت عنوان (يسقط على غيمة/ 2017)، وأخيراً روايته (الذُبابة) التي ظهرت بطبعتين في سنة 2017، ونشرت في دار نوفا بلس للنشر والتوزيع بالكويت، ناهيك عن مشاركات أخرى.
وإذا كانت رواية (سوق نايف) امتازت بالنَفس السّردي الطويل، فلا فصول معلومة أو مرقمة، ولا بين/ بين في سيمياء الكتابة على سطوح الورق يوحي بما قبل وما بعد، ولا بياضات يتركها الروائي لتُشعِر القارئ بأنه لا بدَّ أن يتوقف بين فاصلين في مجرى ومسار البنية الحكائية في الرواية، فإن روايته (الذبابة) سارت على النهج نفسه لتقول حكاية "الدكتور خالد" دفعة واحدة سوى ثلاث صفحات تتضمّن عتبات نصية؛ اثنان في البداية وثالثة في النهاية، وهي تجربة سردية تؤكِّد تنويعات أساليب السّرد في الرواية الإماراتية.
صورة المجنون
يمضي هكذا نمط من السّرد، وبحسب تجربة بو ملحه في هذه الرواية، بضمير المتكلِّم؛ فهو المركز وما حوله تدور يومياته في أسرته ومحلته وعمله في دبي وذاكرته وماضيه وطموحاته المستقبلية. إنه "خالد"، الإماراتي الذي يعمل كرجل أمن خاص، وتلك مفارقة في مجتمع الرواية الواقعي، فهو "أول إماراتي يحمل درجة علمية عالية" (ص 26)؛ بل "حصل على شهادات دكتوراه في تخصُّصات مختلفة" (ص 11)، ويعمل "كرجل أمن خاص في كارفور" (ص 26)، لكن البطل لا يجد في ذلك غرابة، خصوصاً أن والده كان يعمل في المجال الحكومي ذاته. 
درس طفلاً في مدرسة للمعاقين لكونه منهم (ص 16)، ومصيبته الشخصية أن الناس تظنه "مجنوناً أو معتوهاً" (ص 13). لذلك، يعتقد أن بين الجنون والاستواء شعرة، فهو يحتمل الجنون "قد نكون مجانين، أنا، هو، أنتم، لا تستغربوا"! (ص 15)، لكن عبيد بو ملحه بوصفه ناصاً (Textor) يستعين بفاعل (Actant) في الرواية يبدأ بالظهور من صفحة 14 حتى صفحة 196، واسمه "قنوخ قل قولي"، ويجعله معادلاً موضوعياً لبطل الرواية "خالد" في مجتمع السّرد فيقدِّمه مجنوناً حقيقياً في كُل مسارات الحكي حتى ليبدو صورة للمجنون الحقيقي سعى بو ملحه لتأكيد وجوده في المتن الحكائي بغية خلق معادلات بارعة بين الشخصيات المسرودة وتصوير أثرها في الكون الحكائي برمته.
مكانيّة الحدث
تدور أحداث الرواية في دبي، ويلجأ الناص إلى تسميات مكانيّة دالة على ذلك، سواء في مرحلة الحكي المباشر زمنياً أو عندما يلجأ الراوي في الرواية إلى ماضي "خالد" في أسرته ودراسته وعلاقاته بالمنطقة التي يعيش فيها، وكذلك في عمله الراهن في شركة أمنية خاصة، وتأريخ فشله في الحصول على وظيفة مستقرة. 
غالباً ما يستتبع سرد المكان التعبير عن الهوية المجتمعية الإماراتية والكشف عن عاداتها وتقاليدها ولهجتها وصور العلاقات المتداخلة بين أفرادها، والمتغيرات التحديثية التي طرأت على الحياة الإماراتية، فكان سرد المكان لدى بو ملحه يعبق بالتعبير عن هوية مجتمع إماراتي من حيث المكان والزمان، خصوصاً أن الراوي (Narrator) يتنقل عبر أزمنة هو عاشها من الطفولة حتى راهنه بحيث إن قارئ هذه الرواية يخرج بفكرة دسمة عن خصوصيات مجتمع الرواية - المجتمع الإماراتي - بكُل أنماط عيشه ولهجته وترميزاته وتعاملاته البينية والإنسانية مع الآخر الوافد وتقاليده، والحراك والتضاد والتواؤم بين مكوِّنه المجتمعي.
يبدي عبيد بوملحة قدرة رائقة على كسب قارئ روايته بشتى السبل، ويفتح أفقاً معه عندما يخاطبه بين حين وآخر كما لو كان معه في لحظة الحكي، فالقارئ المُخاطب موازٍ لحركة الروي، وتلك مزية سردية: "أنتم" (ص 15)، و"دقيقة صمت لو سمحتم" (ص 39)، وغير ذلك. 
كتابة رواية
عندما ينتهي أحدنا من قراءة متن رواية (الذبابة)، يمكن له أن يخرج بقائمة من أسماء روائيين وفنانين وسياسيين وعسكريين وأماكن ومدن ومناطق ومحال وقراء قرآن، وأسماء كتب وروايات كثيرة ترد في المتن الحكائي برمته الذي يطعم مجرى الحكي بالكثير من الحِكم والمقولات والحكايات الفرعية عن أشخاص واقعيين في الواقع تلك التي ترد ضمن مناسبات الروي المتتالية كالهدير من دون توقف حتى الغلاف الأخير. 
وكل ذلك مُستحسن في تجربة بوملحة السّردية (الذبابة)؛ فهو دليل وفرة معلوماتية – ثقافية تؤكِّد تطويع ثقافة الروائي وتوظيفها في عمله السّردي بحسب توجهاته الموضوعاتية (Theme)، لكنها بالمرّة تخدم ما يقوله "خالد" نفسه عن بناء ثقافته المعرفية، لا سيما بعد أن تعرف إلى صديقه "الدكتور منذر" الذي كان "يزوّده بالكتب" و"يحثه دائماً على كتابة رواية"، وأنه يلاحظ على "خالد" بأنه "قارئ نهم، يقرأ الكثير من الكتب وفي مختلف المجالات"، ويصفه بأنه "كثير الخيالات، وهذه بعض صفات الروائي" (ص 17). 
ومن هنا، قرّر الدكتور خالد كتابة رواية رغم الخوف الذي يعتريه من ذلك "ما زال بعض الخوف يعتريني لأنْ أقوم بتجربة كتابة رواية" (ص 20)، ولكنه ورغم ذلك، شحذ إرادته وهمّته، وأعد أدواته وطقوسه: "قررت اليوم أن أبدأ بالكتابة" (ص 18)، واتخذ حكمته في ذلك "الخوف يُسحق بالمواجهة" (ص 19). لكن "خالد" سيبقى في حياته "سأقوم بتدوين ما يحصل لي لأكتبه في مشروع روايتي التي سأضيف لها الكثير من الخيال" (ص 33)، ويواصل رسم رؤيته الفنية لاختيار موضوع روايته "سأكتب رواية عن بعض ما أشاهده في كارفور؛ فكارفور صندوق مفتوح أمامي" (ص 33)، وتلك أرضية تكشف عن الانطلاق من الواقع الذي يعيشه البطل في حياته، في الرواية، حتى يُحوِّل واقع معيشه إلى مادة روائية، وهذا ما ظهر كخلفية لروايته (الذبابة) التي نقرأها نحن، فالراوي فيها يواصل تصوير مجريات حياته (= الدكتور خالد) حتى إنه ينزل إلى استثمار كُل الحيوات التي مرَّ بها مع كُل الأشخاص الذين يعرفهم – من أسرته أو غيرهم - ليضيف لهم أسماء وأماكن ومواقف جديدة كُلّما اطرد السّرد في مساراته حتى نهايته.
ذُباب مسرود
وإذا كان الجنون والعته اللذان يُرميا بهما "خالد" ظناً وسوءاً من الناس الذين لا يفهمونه، وإذا كان "قنوخ قل قولي" سيرافق كُل مسارات السّرد في حياة البطل، فإن الذباب سيحظى بأن يكون فاعلاً مسروداً حتى إن عبيد بوملحة ارتقى به إلى عنوان روايته (الذبابة)، وهو أول عنوان في تأريخ الرواية الإماراتية، فالذباب هو البطل الضِّد الذي يُزاحم الشخصيّة الرئيسة "خالد" وجودها أو يمكن أن نفهم العكس بأن يكون "خالد" هو البطل الضِّد لشخصيّة الذباب، وهو أمر نتركهُ لتأويل ذائقة القارئ، لكن الناص (Textor) أو بوملحه يصف حياة البطل على لسانه بأنها "صحراء قاحلة مليئة بالذباب" (ص 26)، وهذا مجرى وجودي يتعلَّق بحياة "خالد". 
ويمكن تأويل ذلك من الناحية القرائية بأنه رمز لشرانية الحياة التي يعاني منها البطل "خالد" ليكون الذباب رمزاً لتلك الشرانية، ويمكن أن نقرأه بأنه تضمين للحيوان في السّرد الروائي الإماراتي تحديداً ليكون فاعلاً (Actant) ضمن الشخصيّات في الرواية، على أن الأمر يحتمل أكثر من تأويل، لكن الذباب يبقى شريكاً في بنية الحكي ولا شك في ذلك، ويبدو لي أنها تجربة شائقة قلما يجربها السّرد الإماراتي.
تراث وتقاليد
ما يميز هذه الرواية أن عبيد بوملحة يضخ في مساراتها السّردية مجموعاً من عادات الناس وتقاليدهم ولهجتهم الإماراتية وطرق تواصلهم مع الآخر الوافد بكل مستوياتها الوجودية؛ من الشغالة إلى العامل إلى السائق إلى المتسوقين، فيوميات البطل "خالد" تمشي بين الناس في أمكنة يتوافرون على التواجد فيها، كما أنها تذهب إلى خارج الإمارات، فاستعادة ماضي "خالد"، كما يسرده هو ذاته، بدا كفيلاً بتصور هذا الضخ عن مدينة البطل (دبي)، وعن حياته وحيوات الآخرين منذ طفولته حتى شبابه وتخرجه من الدراسة وتالياً العمل.
ولذلك، وبقدر ما تبدو (الذبابة) رواية إماراتي من ذوي الاحتياجات الخاصة يعاني محنته الوجودية أراها سرديّة ذكريات؛ فالماضي يحتل جزأها الأكبر من الناحية الزمانية والمكانية (دبي)، خصوصاً في ظل اعتقد البطل أن "اللحظات التي لا يوثقها الأدب هي لحظات ضائعة في التاريخ" (ص 138)، وأن "الذكريات تخزن في العقل الباطن وتخرج كومضة إنْ لم نسجّلها أو نتحدَّث بها تختفي في العقل الباطن" (ص 151)، وبوملحة فعل ذلك وهو يأخذ القارئ تذكّراً إلى مكانيّات دبي وأزمنتها التي تعود إلى سنة 1912 عبر ما يرويه هو ووالده والآخرين ليربط حاضره هو ذاته مع ماضي مدينة (دبي) وحاضرها الذي هو حاضره، وكُل ذلك جرى وفق شخصية المركزية في الرواية "خالد"، وهو الراوي فيها، إلى جانب رفاق أسرته وأصدقاء من حوله من دون أن يبارح الذباب ما يجري في حياته. 
أما حس الفكاهة والملاطفة فكانا يلازمان طيّات الحكي في كُل المتن الحكائي، لكن البطل "الدكتور خالد" لم يكتب رواية، لكن عبيد بوملحة كتب رواية (الذبابة) التي تُحسب تجربتها السردية ميزة طيبة للمشهد الروائي الإماراتي.

© 2018 All Rights Reserved. Powered by UAEPD.NET